سهيلة عبد الباعث الترجمان

483

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وأن من آداب الحق ما نزلت به الشرائع لتبليغها لأولي الألباب والعمل بها يقول : " لما كان الأمر العظيم يجهل قدره ولا يعلم ، ويعزّ الوصول إليه ، تنزّلت الشرائع بآداب التوصل فقبلها أولوا الألباب لأن الشريعة لب العقل ، فهي كالدّهن في اللب الذي يحفظ القشر ، فاللب يحفظ القشر ، والقشر يحفظ اللب ، كذلك العقل يحفظ الشريعة والشريعة تحفظ الحقيقة ، فمن ادّعى شرعا بغير عقل لم تصح دعواه ، فإن اللّه ما كلّف إلّا من استحكم عقله ، ما كلّف مجنونا ولا صبيا ولا من خرف من الكبر ، ومن ادّعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا يصح ، ولهذا قال الجنيد علمنا هذا يعني الحقائق التي يجيء بها أهل اللّه مقيّد بالكتاب والسنة ، أي أنها لا تحصل إلّا عن عمل بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وذلك هو الشريعة . . . فمن تشرّع تأدب ، ومن تأدب وصل « 1 » . فهل يصدق ما قاله " آدم ميتز " " METZ " من أنه قد ظهر عند الصوفية بصفة عامة ، وابن عربي خاصة نزعة قديمة إلى عدم المبالاة بكل ما في هذه الدنيا حتى الشريعة ؟ إن هذا الزعم حتى وإن صدق ، فإنه يصدق فقط على مدّعي التصوف وليس على أهل التصوف الصادقين في أمرهم ، فيحكي ابن حزم أن من الصوفية من يقول إن من عرف اللّه سقطت عنه الشرائع ، وزاد بعضهم : واتصل باللّه تعالى ، ومن هنا جاء قول الهجويري « 2 » بأن دعوة سقوط الشريعة إذا كشفت الحقيقة هي مقالة الزنادقة من القرامطة والشيعة ومن وسوسوا لهم من الأتباع « 3 » . ويجيب ابن عربي مبينا قداسة هذا العلم وأسراره ، ومنبها إلى ضرورة ستره على من ليس له معرفة بحقائقه ، لما فيه من العلوّ وبعد الغور ، مشيرا إلى ما قاله عليه السلام " ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ، ولكن بشيء وقع في صدره " « 4 » ولم يبين ذاك الشيء فكتمه عليه ، وليس كل

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 419 . ( 2 ) الهجويري ، ( 465 ه ) ، علي بن عثمان الحلالي الهجويري ، كشف المحجوب ، نشرة وترجمة نيكلسون ، سلسلة جب ، 1911 ، ليدن . ( انظر آدم ميتز ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع هجري ، ص . ص 35 - 36 ) . ( 3 ) آدم ميتز ، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع هجري أو عصر النهضة في الإسلام ، ترجمة عبد الهادي أبو ريدة ، مصر ، ص . ص 35 - 36 . ( 4 ) ومنه الحديث : لم يسبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ، ولكنه بشيء وقر في القلب ، وفي رواية وقر في صدره ( التاج - ج 3 - ص 606 ) .